الغربة

مقالة ذاتية

الغربة

علا محفوظ

هل جربت أن تجبر على ترك بلدك بسبب الحرب وتلجأ إلى بلد تجهل كل ما فيه من عادات وتقاليد ونظام ولغة وكل شيء عنه؟ تسأل نفسك في كثير من الأحيان، أيهما أسوأ؟ أن أموت تحت نيران القذائف في بلدي، أم أن أعيش في بلد أتعرض فيه للتمييز والعنصرية بشكل يومي؟ وفي المقابل تجد من يمد لك يد العون، فيعطيك الأمل وتشعر أنك بخير مجدداً.

طُلب مني أن أكتب بعض المواقف التي واجهتها في ألمانيا ولم أستطع نسيانها، السيء منها والجيد. لذلك سأذكر بعضها:

كانت عناصر الشرطة الألمانية هم أول من تحدثنا إليهم عند دخولنا إلى ألمانيا، ولن أنسى كيف تم التعامل معنا بكل لطف وإنسانية، خاصة أنهم لاحظوا خوف الأطفال منهم بسبب الفكرة السيئة المطبوعة في أذهان هؤلاء الأطفال عن كل ما يتعلق بالأمن والشرطة.

من المواقف التي لن أنساها أيضاً التعامل الإنساني الذي عوملنا به من قِبل العاملين في دائرة مساعدة اللاجئين، فقد منحونا الكثير من الوقت والاهتمام وبدأوا بتعليمنا اللغة الألمانية وبمساعدتنا على فهم نمط الحياة هنا. وأود أن اشكر هنا جميع المتطوعين والمتطوعات من كل قلبي.

هناك بعض المواقف التي أسميها “المضحك المبكي “لأنه لم أعرف وقتها عليّ الضحك أم البكاء. ومنها: أني كنت جالسة في القطار بالقرب من رجل نظر نحوي بكل خوف وقال لي: “أنا لا أخاف من المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب” فما كان مني إلا أن ابتسمت في وجهه وشكرته.

طبعاً هناك أيضاً المواقف السلبية التي تركت أثراً في قلبي قبل عقلي. أذكر منها:

كنت برفقة إحدى المتطوعات، وكنا نركب في حافلة مزدحمة جداً، ولم نجد مكاناً للجلوس فاضطررنا للوقوف، وأثناء ذلك توقف السائق بشكل مفاجئ فكدت أسقط وارتطمت بكتف امرأة جالسة على المقعد أمامي فما كان منها إلا أن بدأت بالصراخ وشتمتني بعبارات لم أفهمها، اعتذرت منها مراراً وتكراراً باللغة الإنكليزية، لكنها استمرت في الصراخ دون أن يصدر أي رد فعل من الأشخاص حولنا، لم أستطع حتى الآن نسيان صراخها ونظرة الازدراء التي رمقتني بها في ذلك الوقت.

ومن أصعب المواقف التي عشتها، كانت عند قيام أحدهم بضرب كتفي وشتمي في الشارع بسبب حجابي. في ذلك الوقت وقفت مذهولة من هول الصدمة، لم أستطع قول أو فعل شيء، استيعاب أن أحداً ما قام بضربي في الشارع احتاج مني بعض الوقت فأنا لم أُضرب في حياتي سابقاً.

بعد حصولنا على الإقامة الدائمة كان علينا الانتقال من مسكن اللجوء إلى منزل خاص، وكان من الصعب جداً العثور على أحد لديه الاستعداد بأن يؤجر منزله للاجئين. أخذ المتطوعون وقتها على عاتقهم إيجاد منزل لنا. وفعلاً وجدوا لنا شقة جميلة وأقنعوا صاحبها بتأجيرنا رغم اعتراض الجيران على ذلك رغم عدم معرفتهم الشخصية بنا ولكن فكرة سكن عائلة من اللاجئين في قريتهم لم تكن مقبولة. مرت ثلاث سنوات لنا في هذا المنزل دون أي مشاكل تذكر ولكن ولأسباب شخصية كان علينا الانتقال من هذه الشقة وبدأنا رحلة البحث عن منزل جديد، لكن الرحلة استمرت هذه المرة لأكثر من عام تخللتها الكثير من المواقف الموجعة، منها الرد الذي تلقيته من أحد مالكي هذه الشقق عندما أخبرته برغبتي باستئجار شقته وكان الرد ” أُفضّل حرق منزلي على أن أقوم بتأجيره للاجئين… ” بقيت بعدها في المنزل لثلاثة أيام متتالية لا أقوى فيها على شيء إلا البكاء.

موقف آخر حصل معي عندما حددت موعداً عبر الهاتف لمعاينة أحد البيوت، كان من المفترض أن تعرف صاحبة الشقة أني غريبة بسبب اسمي، ولكنها عندما رأتني أغلقت الباب بقوة في وجهي دون التفوه بأي كلمة.

ولكن في الجانب الآخر حصلت معي أيضاً مواقف جميلة وأجملها كان العرض الذي قدمته لي صديقتي، حيث عرضت تقديم مساعدة شهرية لي حتى أتمكن من استئجار المنزل الذي وافق صاحبه على تأجيره لنا ولكن وبسبب ارتفاع الإيجار لم نستطع استئجاره.

لقد مرّت الآن خمس سنوات على وصولنا إلى ألمانيا، ولا زلنا نعيش مثل هذه المواقف ولا زالت تؤثر بنا، ولكن ما يجعلني أقوى هو عملي كمحررة ومترجمة في المشروع الإعلامي “تونيوز الدولية” وأيضاً كمدرسة للغة العربية في مركز اللغات في جامعة توبنغن، هناك أجد التقدير من زملائي في العمل. بالإضافة إلى ذلك فإن دخول بناتي إلى المدرسة الثانوية (الغمنازيوم) يعطيني الكثير من الأمل والفخر.

أتمنى الحصول على القوة اللازمة لتجاهل نظرات الازدراء والتعليقات السلبية حتى لا تتسبب بأذيتي مجدداً. أريد أن أُعامل على أني إنسانة طبيعية، ويتم تقبلي كما أنا، ولا يتم ازدرائي بسبب الحجاب الذي أضعه على رأسي.

أمنياتي وأحلامي لا تختلف أبداً عن الآخرين. أتمنى أن أعيش أنا وأحبائي بسلام وطمأنينة واستقلالية.

3,490 total views, 89 views today

Related posts

Leave a Comment